الخطيب الشربيني

388

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بين تعالى أن لا عزة إلا لله بقوله سبحانه : مَنْ كانَ أي : في وقت من الأوقات يُرِيدُ الْعِزَّةَ أي : الشرف والمنعة فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي : في الدنيا والآخرة ، والمعنى : فليطلبها عند الله ، فوضع قوله تعالى فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً موضعه استغناء به عنه لدلالته عليه ، لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه ، ونظيره قوله : من أراد النصيحة فهي عند الأبرار ، يريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه ، وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله تعالى ومعناه : الدعاء إلى طاعة من له العزة أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته ، كما يقال من كان يريد المال فالمال لفلان أي : فليطلبه من عنده . ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالى : إِلَيْهِ أي : لا إلى غيره يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قال المفسرون : هو قول لا إله إلا الله ، وقيل : هو قول الرجل سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وعن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل : « ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ، ثم صعد بهن فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين » ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وقيل : الكلم الطيب ذكر الله ، وعن قتادة إليه يصعد الكلم الطيب أي : يقبل الله الكلم الطيب ، وقيل : الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن ، وعن الحاكم موقوفا وعن الثعلبي مرفوعا أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل » « 1 » . وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي : يقبله فصعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله تعالى إياهما ، أو صعود الكتبة بصحفهما ، أو المستكن في يرفعه لله تعالى ، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح هو الخالص يعني الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال لقوله تعالى فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء . تنبيه : صعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله تعالى إياهما ، أو صعود الكتبة بصحفهما والمستكن في يَرْفَعُهُ لله تعالى ، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة أو للكلم ، فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد أو للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه ، قال الرازي في « اللوامع » : « العلم لا يتم إلا بالعمل كما قيل : العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل » انتهى . وقد قيل « 2 » : لا ترض من رجل حلاوة قوله * حتى يصدق ما يقول فعاله فإذا وزنت مقاله بفعاله * فتوازنا فإخاء ذاك جماله وقال الحسن : الكلم الطيب ذكر الله تعالى ، والعمل الصالح أداء فرائضه فمن ذكر الله تعالى

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي .